Affichage des articles dont le libellé est إشكالية اللغة و الهوية في الجزائر. Afficher tous les articles
Affichage des articles dont le libellé est إشكالية اللغة و الهوية في الجزائر. Afficher tous les articles

mardi 27 décembre 2016

أزمة الهوية الإسلامية


أزمة الهوية الإسلامية


18 ذو الحجه 1429
د. خالد رُوشه
تنتمي أزمة الهوية الإسلامية المعاصرة للشباب المسلم لذلك النوع من الأزمات المزمنة الذي تتشعب أسبابه وتتفرع متعلقاته، فالنظرة لها يجب أن تكون نظرة شاملة متعمقة دارسة للواقع الفعلي لذلك الشباب المسلم وتيارات التأثير التي تؤثر فيه ومنابع المد التي تمده وتغذيه، فهي أزمة تجتمع فيها مسارات سياسية وعقائدية وفكرية ثقافية وتنموية اجتماعية تجتمع كلها لتشكل أزمة التكوين الثقافي والسلوكي والعقائدي والفكري لذلك الشباب المسلم الذي ينتشر في ربوع الأرض، بعضه يعيش في موطنه والبعض الآخر خارج وطنه، والغريب الداعي للبحث أن كليهما يعاني من أزمة الهوية!!

إن المسار التاريخي قد أفرز فسحة في البناء الحضاري اسمها (القابلية للاستعمار)، وهذه الفسحة تعكس تنامي عوامل التفكك في الأبعاد الفكرية و السياسية والاقتصادية والاجتماعية كما تعكس تراجعاً كبيراً في الانتماء العقائدي للشباب في تلك المساحة الاستعمارية التاريخية، فهنا إذن مساحة تسمح للبؤر الناشئة في عصر التفكك والضعف بالارتباط بمركز آخر للتلقي والتوجيه ونفس الشيء يحدث بالنسبة للوعي عندما يبدأ بالتواصل مع مرجعيات مغايرة وليس المهم أنها تابعة للمركز الاستعماري بقدر ما هي مبتعدة عن المركز الحضاري الأصلي وهو في قضيتنا هنا الحضارة الإسلامية، وبالتالي فإن الوعي سيبدأ بالتغير وستفقد المقولات الأصلية التي تكون الهوية هيمنتها عليه فيغدو القبول بمقولات الآخر شيئاً مألوفاً،وبسلوكيات الآخر وطريقة تفكيره وربما يتنامى ذلك أيضاً للاعتقاد!!

وهذا يعني إلغاء التجانس (الاقتصادي، الاجتماعي، السياسي، الثقافي، الفكري، الاعتقادي) ذلك الذي يعد أهم مظهر من مظاهر وحدة الحضارة وتحديد الهوية، ولذا يمكن أن نعرف ذاك التجانس بأنه (العناصر المشتركة التي تصلح كمقومات لبناء هوية مجتمع واحد للأمة)، وعليه فإن مقابلة أي تعدد سيعني زوال ذلك التجانس الذي يفرز الحضارة ويبني الهوية، فكما أن قضية الهوية الشخصية يعد أزمة موجبة للعلاج فإنه لابد للنظر إليها من خلال أزمة أخرى أكثر إيجابا للعلاج هي أزمة الهوية المجتمعية التي تسبب الضياع الفردي والذوبان في المغاير...

وتستعمل كلمة(هوية) في الأدبيات المعاصرة لأداء معنى كلمة Identity التي تعبر عن خاصية المطابقة: مطابقة الشيء لنفسه، أو مطابقة لمثيله، وفى المعاجم الحديثة فإنها لا تخرج عن هذا المضمون، فالهوية هي: حقيقة الشيء أو الشخص المطلقة، المشتملة على صفاته الجوهرية، والتي تميز عن غيره، وتسمى أيضاً وحدة الذات.

ولذلك فإذا اعتمدنا المفهوم اللغوي لكلمة هوية أو استندنا إلى المفهوم الفلسفي الحديث فإن المعنى العام للكلمة لا يتغير، وهو يشمل الامتياز عن الغير، والمطابقة للنفس، أي خصوصية الذات، وما يتميز الفرد أو المجتمع عن الأغيار من خصائص ومميزات ومن قيم ومقومات.
وخلاصة الأقوال: إن الهوية الثقافية والحضارية لأمة من الأمم، هي القدر الثابت، والجوهري والمشترك من السمات والقسمات العامة، التي تميز حضارة هذه الأمة عن غيرها من الحضارات، والتي تجعل للشخصية طابعاً تتميز به عن الشخصيات الأخرى.

وسوف نحاول من خلال استقراء وجهات نظر الخبراء والمربين والدعاة البحث في قضية الهوية الإسلامية لشبابنا هادفين للخروج بمنظور علاجي نافع يعد انطلاقة مقبولة للعودة إلى الانتماء والتطبيق للمعنى الإسلامي الأصيل..

أولاً: مظاهر ضعف الهوية الإسلامية لدى الشباب المسلم.. 
تتكاثر المظاهر التي قد يراها البعض انفتاحاً وتقدماً ورقياً في حين يراها الآخرون إذلالاً وتبعية وذوباناً للهوية..

يقول الدكتور محمد إسماعيل المقدم: يمكنك أن ترى أزمة الهوية الإسلامية في الشباب الذي يعلق علم أمريكا في عنقه وفي سيارته، وفي الشباب الذي يتهافت على تقليد الغربيين في مظهرهم ومخبرهم، وفي المسلمين الذين يتخلون عن جنسية بلادهم الإسلامية بغير عذر ملجئ ثم يفتخرون بالفوز بجنسية البلاد الكافرة وفي المذيع المسلم الذي يعمل بوقاً لإذاعة معادية لدينه من أجل حفنة دولارات،...... وفي أستاذ الجامعة الذي يسبح بحمد الغرب صباح مساء... وفي كل ببغاء مقلد يلغي شخصيته ويرى بعيون الآخرين ويسمع بآذانهم وباختصار: يسحق ذاته ليكون جزءاً من هؤلاء الآخرين " أيبتغون عندهم العزة "؟!

ويقول الدكتور عصام هاشم: يوم أن ضيَّع أفراد الأمة هويتهم، وذهبوا يتخبطون في دياجير ظلمة الحضارة المعاصرة بحثاً عن هوية، ظهرت نسخة مشوهة من الحضارة الغربية بين شباب بلاد الإسلام، حيث ظهر من يقلدهم في لباسهم وأكلهم وشربهم وقصات شعورهم، بل وحتى في سعيهم البهيمي في إشباع شهواتهم، وظهر من فتيات الإسلام كذلك من تعرت وتفسخت وتركت حجابها وظهرت على شاشات الفضائيات والقنوات مغنية أو راقصة أو مقدمة، والأدهى من ذلك والأمر أن هناك من بني جلدتنا وممن يتكلمون بألسنتنا يسعون باسم الثقافة والتقدم إلى مزيد من طمس الهوية الإسلامية؛ فيسعون لكشف المحجبة، وإفساد المؤدبة، وإخراج المكنونة المستترة..

ويقول الدكتور جمال عبد الهادي: إن الأزمة بلغت إلى حد أن الأمة صارت تستورد قيمها من غيرها لتبني حضارتها ولاشك أن هذه أعظم مخادعة للذات ؛ لأنها تبني بيتها على جرف هار، إن من يتصور أن في اتباع قيم الآخرين ومناهج حياتهم الوجاية والوقاية من بطش أمم شاء الله لها العلو في الأرض زمناً والإفساد فيها إلى حين لهو واهم؛ لأن صدام الحضارات والأديان والثقافات أصبح حقيقة واقعة ومعلوم من التاريخ والواقع بالضرورة..

ويقول الدكتور عبد العزيز التويجري: إن الخطر الأكبر الذي يتهدد الأمم والشعوب في هذا العصر، هو ذلك الخطر الذي يمسّ الهوية الثقافية والذاتية الحضارية والشخصية التاريخية للمجتمعات الإنسانية في الصميم، والذي قد يؤدي إذا استفحل، إلى ذوبان الخصوصيات الثقافية التي تجمع بين هذه الأمم والشعوب، والتي تجعل من كل واحدة منها، شعباً متميزاً بمقومات يقوم عليه كيانه، وأمة متفردة ً بالقيم التي تؤمن بها وبالمبادئ التي تقيم عليها حياتها.

ومهما تكن الألفاظ الجامعة التي يوصف بها هذا الخطر الذي بات اليوم ظاهرةً تكتسح مناطق شتى من العالم، بما فيها المناطق الأكثر نموّاً والأوفر تقدّماً في المجالات كافة، وأياً كانت طبيعة هذه الظاهرة وحجمها والأدوات التي تستخدم في تحريكها، فإن مما لاشك فيه أن لهوية والثقافة بخصوصياتهما ومكوّناتهما ومقوماتهما، هما المستهدف في المقام الأول، وأن الغاية التي يسعى إليها الماسكون بأزّمة السياسة الدولية في هذه المرحلة، هي محو الهويات ومحاربة التنوع الثقافي، والعمل على انسلاخ الأمم والشعوب عن مقوماتها، لتندمج جميعاً في إطار النموذج الأمريكي الأقوى إبهاراً، والأشدّ افتتاناّ في العصر.

ونحن نستطيع استقراء أهم المظاهر التي تدل على أزمة الهوية لدى الشباب المسلم في عدة نقاط هامة وأساسية: 
1- الانبهار الشديد بالتقدم الغربي على مستوى التكنولوجيا والحضارة المادية.
2- التطلع لمشابهة الغربيين والأمريكيين وغيرهم من الشعوب المتقدمة مع الشعور بالدونية والانكسار تجاه تلك الشعوب.
3- التحرر من القيم المقيدة للسلوك الإباحي تشبها بالتحرر الغربي الجنسي والسلوكي.
4- ضعف الولاء والانتماء للتشكيل الإسلامي القيمي والمبادئي والمعيشي.

ثانياً: ما هي طبيعة النزاع والتحدي بين الهوية الإسلامية والثقافات الأخرى؟ وما سبب الانكسار لدى الشباب المسلم أمام الثقافات الغربية؟! 
يقول الأستاذ الدكتور أحمد زايد: إن ثقافة العولمة التي تتحدى وتتصارع مع الهوية الإسلامية هي ذات خصائص معينة تجعلها تتميز بالقوة والدعم الذين تفتقدهما الثقافة الإسلامية في هذا العصر، فهي ثقافة يصاحبها في الغالب خطاب تقني وعملي، فهي تنقل عبر الوسائل الاتصالية الحديثة، وهي بذلك مصنوعة بحساب.

وهي نخبوية تُفرض من أعلى من دون أن تكون لها قاعدة شعبية، أو تعبر عن حاجات محلية، أو تلتزم بأشكال ومضمون التراث الثقافي التي تنتقي منه.
وإذا كانت ثقافة العولمة ثقافة نخبوية، فإنها تساعد على تركّز القوة. والقوة هنا ليست قوة سياسية فحسب، بل قوة التكنولوجيا المرتبطة بالمشروعات الصناعية ذات الصبغة الكونية كشبكات الحاسوب والإنترنت، وهي ما يطلق عليها تقنيات العولمة ، وهي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بثقافة الاستهلاك، فالعمليات المرتبطة بنشر الحداثة تساعد على نشر القيم والرموز وأساليب السلوك المرتبطة بالاستهلاك.

وهي ثقافة تعمل على خلق نماذج وصيغة موحدة عبر العالم، كما تدعم نظاماً للصور الذهنية حول موضوعات خاصة لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالسوق الرأسمالي.

وتنطوي ثقافة العولمة التي تنبثق من الحداثة المادية بخصائصها تلك، على مخاطر عديدة تتهدّد الهوية والثقافة في آن واحد، مما يؤكد قوة الترابط والتلازم بين الهوية والثقافة أياً كانتا وهو الأمر الذي يستدعى تقوية العلاقة بين العنصرين الرئيسيْن من عناصر الكيان الأممي: الهوية والثقافة؛ لأن في الحفاظ على الهوية والثقافة وقايةً من السقوط الحضاري، وصيانة ً للذات، وتعزيزاً للقدرات التي يمكن التصدّيّ بها لضغوط التحدّيات مهما تكن.

ويقول الأستاذ الدكتور شفيق عياش (عميد كلية الدعوة وأصول الدين بجامعة القدس): يمثل المحور الثقافي الامتداد الأوسع لحركة العولمة الثقافية، ولعلي هنا أبرز بعض التحديات التي تأتي بها العولمة، وتطال في هذا المحور كافة العناصر المكونة للوجود الديني أو الانتمائي للدول المستهدفة عبر وسائل متبعة لنشر ثقافة التغريب والعولمة، ومن ذلك:
1- تحريف المفاهيم الدينية، كي تتفق مع الأفكار الفكرية التي تروجها العولمة المعاصرة، وذلك باستبعاد الإيمان بالغيبيات واعتباره مضادا للعقلانية العلمانية.

2- إيجاد فئات وشرائح ومؤسسات في المجتمعين العربي والإسلامي تعمل كوكيل للثقافة الغربية، وذلك بتقديم المساعدات المالية لمشاريع أبحاثها وعقد الندوات واللقاءات التي تدعم توجهاتها الثقافية للهيمنة على الثقافتين العربية والإسلامية.

3- إنشاء مجموعة من المراكز والمؤسسات التي تؤثر مباشرة على الثقافة العربية، مثل: الجامعات التبشيرية ومراكز اللغات والترجمة ومؤسسات خيرية ومدارس أجنبية يتمثل دورها جميعاً في التأثير الفكري والتربوي واللغوي على طلبة العلم والمعرفة، وفرض مناهجها وأفكارها مع التقليل من مواد اللغة العربية والتربية الإسلامية، ثم القيام بالتبشير والتنصير ( والخطورة كل الخطورة تكمن في تخريج هذه الأجيال على النهج المريب من التغريب) وهي أجيال لن تعود لها صلة بماضيها وتراثها وثقافتها ولن يكون لها ولاء ولا انتماء لآبائها وأقرانها ممن يتخرجون من المدارس العربية، وكأننا بذلك نعمل على إيجاد حالة من الانفصام في شخصية المجتمع وبنيته الأساسية تبدو آثاره في ظاهرة استعلاء لغوي ومباهاة بلغة الغرب وثقافاتهم وإعلامهم.

4- يعد الإعلام مرتعاً خصباً وميزاناً فسيحاً يتم من خلاله الغزو الثقافي لإشاعة الفواحش والمنكرات من أجل تحطيم القيم والثوابت الأخلاقية، ولقد تحولت وسائل الإعلام إلى قنوات لبن مسموم ونشر للرذيلة والانحطاط بالغريزة البشرية وانهيار السلوك الإنساني والتباس الحق بالباطل والهدى بالضلال والخير بالشر

5 - إن قنوات التلفزة تشكل تهديداً خطيراً ومعول هدم للهوية الإسلامية الحضارية والثقافية من خلال بث البرامج والأفلام والمسلسلات الخليعة والمسرحيات الهابطة، ولقد كشفت دراسة قام بها تسعة من أطباء علم النفس على مدى خمس سنوات في جريدة الرأي الكويتية عام 1992م، أظهرت أن البرامج المتلفزة تؤثر على الأطفال المراهقين وتدفعهم إلى الصراعات وتجعلهم أكثر تقبلاً للعنف الجنسي، وكشفت هذه الدراسة أيضاً أن أفلام الرسوم المتحركة التي تعرض صباح العطلة الأسبوعية تتضمن مشاهد عنف تزيد بمعدل أربع أو خمس مرات عما يشاهد في الأفلام التي تعرض بعد ذهاب الأطفال للفراش، فعلى الرغم من كل هذه المظاهر التي وضحتها كل هذه الدراسات نرى تكالب أجهزة الإعلام على هذه المنتجات الإعلامية.

ويقول الباحث الدكتور إبراهيم متولي: إن التحدي الملح تجاه العودة بالهوية الإسلامية هو التحدي التربوي، وباستقراء الدراسات التربوية السابقة والخاصة بهذا الاتجاه يتضح لي ما يلي: من استعراض الدراسات السابقة يتضح أن ثمة أمور لا بد من التأكيد عليها لعل من أهما ما يلي:-
1- أن العالم الإسلامي يتعرض لمجموعة من التحديات والمخاطر لا بد للأنظمة التعليمية والتربوية من مواجهتها بصورة حاسمة.

2- حاجة المجتمعات العربية والإسلامية إلى صياغة حديثة لنظرية تربوية إسلامية تكون في مواجهة التحديات والمخاطر التي تحدق بالأمة العربية الإسلامية.

3- أن التعليم في القرن الجديد - الحادي والعشرين - يرتكز على مجموعة من المبادئ، هي: بيئة تعليمية جديدة - التعليم الشخصي - تعليم مبتكر للمعرفة - التعليم مدى الحياة، وكلها أساسيات مبادئية للتعليم الحديث يجب ألا تهملها النظرية الإسلامية الحديثة في مواجهة التغريب والعلمنة.

4- أن المجتمعات العربية الإسلامية تتعرض الآن - وفي المستقبل - لمجموعة من الأخطار والتحديات بعضها داخلي كالتغير في التركيب السكاني، والتغيرات الثقافية والقيمية، والتغيرات المجتمعية المختلفة، وبعضها خارجي: كالثورة العملية والتكنولوجية، والتوتر بين العولمة والمحلية، والتغيرات الاقتصادية والسياسية التي يشهدها العالم ، والطريقة الوحيدة لمواجهة ذلك هي التنشئة العلمية التربوية القوية والمنهجية لأبناء تلك المجتمعات والشعوب.

5- المدرسة الإسلامية المستقبلية هي إحدى الأطروحات التربوية التي ينشدها التربويون العرب والمسلمون لمجابهة تلك الأخطار والتحديات، حيث إن المطلوب منها شيئان؛ الأول: يتعلق بالكيفية التي يتم من خلالها التعامل مع تلك الأخطار والتحديات والأمر الآخر مراعاة الخصوصية والذاتية العربية الإسلامية التي تتميز بها الهوية الإسلامية .

ونحن نستطيع أن نحدد سبب الانكسار لدى الشباب المسلم أمام تلك الثقافات بعدة أمور هامة:
1- الفراغ النفسي والمعنوي والطموحي لدى هذا الشباب المسلم، وعدم وجود الشخصية النموذجية التي يأمل دائماً أن يتشبه بها في ظل رؤياه لشخصيات دنيوية مادية قد أثبتت نجاحات متتالية على المستوى المادي والتكنولوجي ( والشباب المسلم هنا بحاجة ماسة لبناء الطموح عنده عن طريق توجيهه للاقتداء بكبار وعظماء الأمة الإسلامية في تاريخها الزاهر وبأبطالها أصحاب الإنجازات المشاهدة في عصرها الحديث.
2- الهجمة الإعلامية التي تصور المسلمين بصورة دونية مستذلة مع ضعف العزة النابتة في داخلية أولئك الشباب تجاه الإسلام والاعتزاز به أدى إلى هروب ذلك الشباب من التشبه بتلك الصورة المنكرة إعلاميا إلى الصورة المحبوبة إعلامياً..
3- الارتباط بالهوية الإسلامية والثقافة الإسلامية الضعيف، والذي يحتاج إلى جزء كبير من اليقين والإيمان باليوم الآخر وبقدرة الرب _سبحانه_ وبالقضاء والقدر، والشباب مع ضعف إيمانهم بتلك الأسس، وعدم تربيتهم عليها يخرجون مستنكرين للهوية الإسلامية التي يرونها مقيدة لحريتهم اللا محدودة والتي تقدمها لهم الثقافات الغربية التي تقدم الحاجات المادية والشهوات كمادة أساسية مباحة دائما بغرض التفرغ للعمل!!

ثالثاً: التوصيف الخاص للمشكلة والتشخيص الدقيق للمرض لإمكانية الانطلاق للعلاج: 
يقول الدكتور مصطفى حلمي: القضية ليست في الهوية بل القضية في الأمة الإسلامية فالإسلام هو المستهدف لأن الغرب عامة يعلم أن الإسلام هو البديل الحضاري الأوحد لثقافتهم وحضارتهم وهو البديل القوي الذي يمكنه أن يملأ الفراغ الذي تعانية الحضارة الغربية اليوم بخلاف الأطروحات الصينية أو اليابانية التي لا تقدم جديداً يغني، والغرب يخشى مما يسميه الحركات الأصولية التي تمثل بعثاً جديداً للهوية الإسلامية إذ إنها في حالة صعود مقلق بالنسبة لهم، فالجماهير التي تؤيد الحركات الإسلامية اليوم هي نفسها التي كانت تؤيد الناصرية والبعثية منذ عشرين عاماً.

ويقول الدكتور جمال عبد الهادي: الواقع أن الذي أصبح يواجه الحل الإسلامي ليس هم وحدهم وإنما أناس من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا!! سواء في تركيا أو في الجزائر أو في غيرها من دول الإسلام 
ويقول الدكتور شفيق عياش: إن المخاطر المحدقة بالثقافة الإسلامية من جانب العولمة المعاصرة، وبخاصة مع ظهور وسائل الإعلام الحديثة كالإنترنت والقنوات الفضائية وغيرها التي تعمل على نشر ثقافة العولمة، وتهدف إلى تعريض المقومات الحضارية للأمة كالدين واللغة والثقافة يتطلب من جميع فعاليات الأمة السياسية والتعليمية والثقافية والاقتصادية وغيرها التعاون من أجل وضع خطة استراتيجية محكمة كفيلة بالتغلب على مخاطر العولمة الثقافية من أجل إنقاذ شباب الأمة وحمايتهم من الانحراف الأخلاقي والسلوكي.

وهذه بعض النقاط نبين من خلالها أهم الحلول الكفيلة بالحد من خطر الثقافة الغربية الغازية لبلاد العرب والمسلمين على النحو الآتي:
1- بناء الإنسان البناء المتكامل ليكون في حجم التحدي وتربيته على أخلاقيات عقائدية تمنحه المناعة الحضارية المطلوبة، ولعل أهم مرحلة في هذه التربية العمل على إشاعة وترسيخ القيم العقائدية والإيمانية؛ لأن بها وقف الجيل الأول من الأمة في وجه كل اختراق بل واستطاعوا من خلال ترسيخ المبادئ العامة الإبداع الحضاري الذي يكرم الإنسان كيفما كان نوعه ولونه وجنسه فبدون هذه الخطوة الأساسية ومع تفشي آفة القطيعة بين العقيدة والسلوك في حياة المسلم المعاصر لن يكون بإمكاننا الوقوف طويلاً في وجه الزيف الحضاري القادم، إنها التربية التي تمنحنا كذلك إمكانية الرؤية المستقبلية الحقة كما تمدنا بكل الشواهد لفهم طبيعة وحقيقة الصراع الغربي خاصة مع الصهيونية التي استفادت من الوطن العربي والنظام العالمي الجديد لتفرض نفسها على الأمة.
2- تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة التي أصابت ثقافتنا، مما أدى إلى انحراف الفرد والمجتمع، فالتوكل أصبح تواكلاً، والإيمان بالقدر أصبح عجزاً وقعوداً عن العمل، والزهد أصبح خمولاً وقعوداً عن العمل، والعبادة رهبنة وانقطاع عن الحياة، وذكر الله _سبحانه وتعالى_ أصبح تمتمات وهمهمات وأقوال بلا أفعال، كما يجب أن نوضح ونبرز المقاييس الثقافية الإسلامية الصحيحة وتفعيلها في الإنتاج الثقافي الذي يحمل مفاهيمها الحقيقية.
3- يجب على الأمة الإسلامية أن تسارع في الاستفادة من مكتسبات التكنولوجيا في وسائلها الإعلامية، خاصة الأقمار الصناعية والقنوات التلفزيونية واستعمالها في توعية وتثقيف الأطفال والشباب وحمايتهم من الوقوع في فلك الانحراف والضلال وحماية وجود الأمة الإسلامية وغيرها من خطر الغزو العلمي والتكنولوجي الجديد، وبخاصة أن الثقافة الإسلامية ثقافة عالمية، ورسالة الإسلام جاءت للبشرية جمعاء، كما أخبرنا بذلك القرآن الكريم قال تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" (الحجرات:13).
4- تجديد الخطاب الثقافي الإسلامي وتطويره، بحيث يلائم روح العصر مع ضرورة الحفاظ على أصالة الثقافة الإسلامية ومضمونها من أجل خدمة الهوية الإسلامية، ودعوة الناس إلى التعرف على حقيقة الدين الإسلامي من خلال القنوات الفضائية وشبكات الاتصال العالمية "الإنترنت"، وتيسير العمل الصحفي وسهولة الترجمة، حيث إن العالم اليوم يتغير بسرعة فائقة، وعلينا أن نطور أدواتنا ووسائلنا، وطريق تصدير ثقافتنا، إن التبليغ اليوم عبر تقنية الشبكات الإلكترونية والفضائيات يمثل أفضل وأسرع الطرق للتأثير قي عقول أجيالنا، وكذلك في عقول الآخرين، لا أن نكون مجرد مستهلكين لثقافة الغير ومعلوماته؛ لأن الاستهلاك الثقافي بدون أن نكون منتجين ثقافياً يجعلنا نذوب في ثقافة الآخر ونفقد بالتالي الثقة في ثقافتنا ومبادئنا، وهذا ما يهدف إليه الآخر الغربي بكل تأكيد.
5- ضرورة وضع ضوابط وقيود وإشراف من قبل مختصين عند استخدام شبكة الإنترنت، وبخاصة فيما يتعلق بالبرامج الإباحية والمنافية لقيم وثقافة المجتمعات الإسلامية.
6- ينبغي إنشاء مراكز ثقافية إسلامية موحدة تهتم بدراسة قضايا العصر، سواء كانت ثقافية أم اجتماعية أم حضارية فور ظهورها ومن ثم متابعة تطورها ووضع التصور السليم للموقف الإسلامي إزاءها، وهذا يتطلب عقد الندوات العلمية والمؤتمرات الثقافية وإيجاد مراكز ثقافية موحدة، لا يعني إطلاقاً إلغاء التنوع والتعدد الثقافي، وإنما يعني السعي نحو تأسيس رؤية ثقافية كونية ناتجة عن التفاعل الإيجابي والحر بين مختلف مراكز الفكر والثقافة، فالتوحد ضمن حقيقة التعدد والاتفاق ضمن حقيقة التنوع .
7- الانفتاح على الثقافة الغربية والاستفادة من تطورها العلمي والتكنولوجي ينبغي أن يكون من خلال استراتيجية تضمن إيجابية هذا الانفتاح؛ لأن الانفتاح المذموم هو الذي أدى إلى ذوبان الشخصية الثقافية بسبب الانهيار والاغتراب عبر منافذ الاختراق والتغريب، والإسلام لا يمنع الانفتاح المحكم الرامي نحو الاستفادة من علوم الآخرين النافعة، قال _سبحانه وتعالى_:" قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا".
8- المشروع الحضاري الإسلامي لا يمكن أن يحقق تميزه الإسلامي، ومن ثم أداء دوره العالمي وفق منهج الله إلا إذا ركن إلى العلم الشرعي بمعناه الواسع وتم تأهيل العالم المسلم بحيث تكون دراسته لعلم الشريعة دراسة تأصيلية مرتبطة بالوقائع الحية التي تعيشها الأمة والعالم في هذا العصر.


الاستعمار حاول تشويه الهوية الجزائرية واللغة العربية .. .جهاد الشيخ البشير الإبراهيمي

الاستعمار حاول تشويه الهوية الجزائرية واللغة العربية
 جهاد الشيخ البشير الإبراهيمي



اد الشيخ البشير الإبراهيمي
عن اللغة العربية والإسلام في الجزائر
الاستعمار حاول تشويه الهوية الجزائرية واللغة العربية 
(1889م) (1965م)
من كتاب  أسرار الاستيطان الأوروبي الفرنسي على الجزائر المحروسة
تاليف صالح مختاري 2004
للكتاب مصادر
كان شيخ البشير الإبراهيمي، وعبد الحميد بن باديس، ورفاقهما من رجال الحركة الإصلاحية الإسلامية السلفية التي تبلورت فيما بعد في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين (1931 – 1956م) يؤمنون إيمانا لا تشويه شائبة باللغة العربية، ووجوب إحيائها، ونشرها بين كافة أبناء الجزائر، بعد أن عمل الاستعمار على محاولة محوها في الجزائر.
وقد ناضل الإبراهيمي وابن باديس ورفاقهما في جمعية العلماء منذ بداية الثلاثينات من هذا القرن من أجل تحرير الجزائر من الاستعمار الفرنسي تحت الشعار التالي:
الإسلام ديننا – والعربية لغتنا – والجزائر وطننا – ضد الفرنسة والتنصير – والاندماج والتجنيس – التي كانت فرنسا ورجال التبشير المسيحي يحاولون فرضها على الجزائريين طوال عهد الاحتلال الفرنسي للجزائر (1830 – 1962م). لذلك عمل الشيخ البشير الإبراهيمي على بعث اللغة العربية في الجزائر، وخصص لها حيزًا كبيرًا في كتابته الغزيرة المادة، البليغة الحجة والأسلوب. كما خصص لها حيزًا كبيرًا من وقته لتعليمها لأبناء الجزائر.
لقد كان الإبراهيمي يؤمن إيمانا مطلقا بأن اللغة العربية هي وعاء الإسلام وحافظة قرآنه وتراثه، وأن المحافظة على اللغة العربية في الجزائر تعني بقاء الإسلام في الجزائر، وبقاء العروبة في الجزائر، وأن محاولة فرنسا القضاء عليها إنما يستهدف عروبة الجزائر وإسلامها في الدرجة الأولى.
من هنا كان الشيخ البشير الإبراهيمي (1889م – 1965م) ورجال الإصلاح الإسلامي والسلفية في الجزائر بصفة عامة من أعضاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين (1931م – 1965م) يواصلون ليلهم بنهارهم في العمل على نشر اللغة العربية بين أبناء وبنات الجزائر قبل تأسيس جمعية العلماء وبعد تأسيسها أيضًا،  ودعوة فرنسا إلى جعلها لغة رسمية في التعليم، والإدارة في الجزائر.
وبالمقابل كان الاستعمار الفرنسي يبدل أقصى جهوده منذ دخوله إلى الجزائر في يوليو (تموز) عام 1830م، حتى خروجه من الجزائر مطرودًا مهزوما في عام 1962م، لطمس معالم اللغة العربية لا في التعليم فقط ولكن في الإدارة وحتى في الحديث العادي بين جماهير الشعب الجزائري.
وقد أصدر قرارًا في عام 1938م، يعتبر اللغة العربية لغة أجنبية في الجزائر لا يجوز تعلمها وتعليمها إلا على هذا الأساس. وهذا ما يفسر لنا تلك الحرب الصليبية التي شنها رجال الاحتلال الفرنسي والمبشرون المسيحيون وهم الطليعة الأولى للاستعمار الأوروبي في الأقطار العربية الإسلامية، على اللغة العربية والدين الإسلامي، والقرآن الكريم، والثقافة العربية الإسلامية، طيلة وجود الاستعمار الفرنسي في الجزائر (1830 – 1962).
لقد كان الاستعمار والمبشرون يعتقدون جازمين بأن نجاحهم في القضاء على اللغة العربية، سوف يسهل لهم بدون شك القضاء على الإسلام، وبالتالي إيجاد أندلس جديدة في الجزائر، ثم إلحاقها إلحاقا نهائيا بفرنسا، فيما وراء البحر الأبيض المتوسط. إذن، فاللغة العربية هي المقوم الرئيسي للشخصية الوطنية العربية في الجزائر، ولذلك كان الصراع محتدمًا على أشده، وعنفوانه بين رجال التعليم العربي الحر من جهة، وبين الإدارة الاستعمارية ورجال التبشير المسيحي من جهة أخرى، طيلة قرن واثنتين وثلاثين سنة (1830 – 1962).
يصور لنا الشيخ الإبراهيمي هذه الحرب الصليبية التي شنتها فرنسا على الإسلام واللغة العربية في الجزائر بعد الاحتلال فيقول "مشكلة العروبة في الجزائر أساسها وسببها الاستعمار الفرنسي ، وهو عدو سافر للعرب، وعروبتهم ولغتهم، ودينهم الإسلام"... ثم يقول: "وبيان ذلك مع الإيجاز، أن الاستعمار الفرنسي صليبي النزعة، فهو – منذ احتل الجزائر – عامل على محو الإسلام لأنه الدين السماوي الذي فيه من القوة ما يستطيع به أن يسود العالم، وعلى محو اللغة العربية لأنها لسان الإسلام، وعلى محو العروبة، لأنها دعامة الإسلام، وقد استعمل جميع الوسائل المؤدية إلى ذلك، ظاهرة وخفية، سريعة ومتأنية، وأوشك أن يبلغ غايته بعد قرن من الزمن متصل الأيام والليالي في أعمال المحو، لولا أن عاجلته جمعية العلماء المسلمين الجزائريين (1830 – 1962م) على رأس القرن بالمقاومة لأعماله، والعمل على تخييب آماله".
وهذا ما يفسر السبب الذي من أجاه إتجه رجال الرعيل الأول من قادة الحركة الإصلاحية السلفية في الجزائر إلى التعليم العربي الإسلامي دون الاتجاه مباشرة إلى تكوين الأحزاب السياسية على غرار ما كان يفعله معظم قادة الجزائر منذ مطلع القرن الحالي الميلادي.
لقد رأى هؤلاء الرجال بثاقب بصيرتهم أن إنقاذ الجزائر من خطر الفرنسية، والتنصير، إنما يكون عن طريق واحد فقط، هو العمل على إحياء اللغة العربية، حتى تعود لها مكانتها في الجزائر كلغة ثقافة وعلم، وأدب، وإحياء الإسلام، عن طريق تطهيره من الخرافات، والأساطير التي شوهت معالمه حتى أصبح إسلاما جامدًا يبعث على الخنوع والاستسلام، وصارت فرنسا تطلق عليه إسم "الإسلام الجزائري" تفريقا بينه وبين الإسلام في مختلف الأقطار الإسلامية الأخرى. وكان قصد رجال الحركة الإصلاحية السلفية (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين (1830 – 1956م) من تطهير الإسلام من مختلف الشوائب التي علقت به هي العودة به إلى نقاوته الأولى في عهد الصحابة والتابعين حتى يصبح في العصر الحديث قوة روحية دافعة للجزائريين على الثورة ضد واقعهم الفاسد من ناحية، وضد المحتل الغاصب لبلادهم من ناحية أخرى، كما كان الإسلام قوة روحية هائلة للمسلمين في العصور الإسلامية الأولى دفعتهم إلى أن يصبحوا القوة السياسية الأولى في العالم كله على امتداد قرون عديدة.
يقول الشيخ بشير الإبراهيمي محللا هذا الاتجاه التي سارت فيه الحركة الاصلاحية السلفية في الجزائر بعد الحرب العالمية الأولى تحت عنوان "أثر أعمالي وأعمال إخواني في الشعب الجزائر" ما يلي:
"أثر أعمالي في الشعب بارز لا ينكره حتى أعدائنا من الاستعماريين وخصومنا من إخواننا السياسيين، فمن آثرنا بث الوعي  واليقظة في الشعب حتى أصبح يعرف ما له وما عليه، ومنها إحياء تاريخ الإسلام وأمجاد العرب، التي كان الاستعمار يسد عليه منافذ شعاعها، حتى لا يتسرب إليها شيء من ذلك الشعاع، ومنها تطهير عقائد الإسلام،  وعبادته من أوضار الضلال، والابتداع، وإبراز فضائل الإسلام وأولها الاعتماد على النفس، وإيثار العزة والكرامة، والنفور من الذلة، والاستكانة أو الاستسلام، زمنها أخذ كل شيء بالقوة، ومنها العمل. هذه الكلمة الصغيرة التي تنضوي تحتها جميع الفضائل، ومنها بذل المال والنفس في سبيل الدين والوطن، ومنها التمسك بالحقائق لا بالخيالات والأوهام. فكل هذه الفضائل كان الاستعمار يغطيّها عن قصد لينساها المسلمون على مر الزمان، بواسطة التجهيل وانزواء العقل والفكر، وقد أصبح الشعب الجزائري يفضل جمعية العلماء، وما بدلناه من جهود في محو الرذائل، التي مكّن لها الاستعمار، وتثبيت الفضائل التي جاء بها الإسلام، ولو تأخر وجود الجمعية عشرين سنة أخرى لما وجدنا في الجزائر من يسمع صوتنا، ولو سلكنا سبيلاً غير الذي سلكناه، في إيقاظ الأمة وتوجيهها في السبيل السويّ لما قامت هذه الثورة (ثورة نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1954م) الجارفة في الجزائر التي بيّضت وجه العرب والمسلمين".
ثم يقول: "ولو نشاء لقنا إننا أحيينا اللسان العربي، والنخوة العربية، وأحيينا دين الإسلام وتاريخه المشرق، وأعدنا لهما سلطانهما على النفوس، وتأثيرهما في العقول، والأرواح، وشأنهما الأول في الإتعاظ والأسوة، فأحيينا بذلك كله الشعب الجزائري فعرف نفسه فاندفع إلى الثورة يحطم الأغلال، ويطلب بدمه الحياة السعيدة، والعيشة الكريمة ويسعى إلى وصل تاريخه الحاضر، بتاريخه الغابر".
الحركة الإصلاحية ومدرسة تجديد الإسلامي
وتتفق الحركة الإصلاحية السلفية في الجزائر التي على رأسها ابن باديس، والإبراهيمي، والمليلي، والعربي التبسي وغيرهم مع اتجاه العام لحركة التجديد الإسلامي في النفوس عن طريق تطهيره من البدع، والضلالات، والخرفات مما يترتب عليه الإرتقاء بعقول المسلمين، ومستةى تفكيرهم العام، وهذا هو طريق النهضة الذي يقود إلى الحضارة. يقول جمال الدين الأفغاني في بيان الأمور التي تتحقق بها سعادة الأمم، وهي في رأيه محصورة في أربعة هي:
(1) صفاء العقل من كدر الخرافات، وصدأ الأوهام... فإن عقيدة وهمية لو تدنّس بها العقل، لقامت حجابا كثيفا يحول بينه وبين حقيقة الواقع، ويمنعه من كشف نفس الأمر، ولذلك كان أول ركن بني عليه الإسلام هو صقل العقول بصقال التوحيد، وتطهيرها من لوث الأوهام.
(2) أن تكون نفوس الأمم، مستقبلة وجهة الشرق طامحة إلى بلوغ الغاية منه، بأن يجد كل واحد من نفسه أنه لائق بأية مرتبة من مراتب الكمال الإنساني، فالناس إنما يتفاضلون بالعقل والفضيلة.
(3) أن تكون عقائد الأمة، وهي أول رقم ينقش في ألواح نفوسها مبنية على البراهين القوة، والأدلة الصحيحة خالية من التقليد والانحراف.
(4) أن يكون في كل أمة طائفة يختص عملها بتعليم سائر الأمة، لا ينون في تنوير عقولهم بالمعارف الحقة، وتجليتها بالعلوم الصافية، ولا يألون جهدًا في تبين طرق السعادة لهم والسلوك بهم في جوادها.
أما الإمام محمد عبده فيلخص طريقته في التجديد الديني والفكري للمسلمين في الأمور الثلاثة التالية:
(1) تحرير فكر المسلمين من قيود التقليد المميتة حتى لا يخضع العقل لسطان آخر غير سلطان البرهان، ولا يتحكم فيه زعماء الدين والدنيا على السواء.
(2) اعتبار الدين صديقًا للعلم، ولا موضع لتصادمهما إذ لكل منهما وظيفة يؤديها، وخما حاجتان من مستلزمات البشر لا تغني إحداهما عن الأخرى.
(3) فهم الدين على الطريقة السلف الصالح قبل ظهور الخلاف بين المسلمين أو المذاهب الإسلامية، والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى، وهي القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
إن هذا الخط الذي سارت فيه الحركة الإصلاحية السلفية إنما كانت ظروف الجزائر الخاصة تحتمه، فهذه الظروف كانت تختلف عن ظروف كثير من البلدان العربية والإسلامية التي وقعت تحت قبضة الاستعمار الأوروبي في العصر الحديث. فليس هناك بلد عربي أو إسلامي ألحق إلحاقا كليا بدولة الاستعمار مثل الجزائر، وليس هناك بلد عربي أو إسلامي أنكر عليه المحتل الغاصب جنسه ولغته وقوميته مثل الجزائر، لذلك فإن اتجاه الحركة الإصلاحية السلفية في الجزائر إلى التركيز على إحياء اللغة العربية، وبعث الدين الإسلامي بعثًا جديدًا في صورة حية مشرقة كان أتجاهًا عمليًا وحيويًا في قضية التحرير الوطني العام لأنها كانت الرد الطبيعي على السياسة الإستعمارية الصليبية التي سلكتها فرنسا في الجزائر، ومن هنا يمكن القول إن الحركة الإصلاحية السلفية في الجزائر لم تكن الدوافع التي خلقتها هي التأثير الخارجي وحده، بل لعبث ظروف الجزائر الخاصة دورًا هامًا في إيجادها وتوجيهها في الاتجاه الذي سارت فيه، نحو التجديد الإسلامي، والبعث الثقافي العام،  المرتكز على اللغة العربية، مما أدى إلى إحياء الوطنية الجزائرية وتأججها في نفوس الجزائريين والنشاط الوطني العام في البلاد وفي النهاية إلى قيام ثورة التحرير الكبرى في عام 1954م، بعد أن نضجت كل الظروف داخليًا وعالميًا، على أساس حضارة الجزائر العربية الإسلامية وهذا كذلك ما يفسر لنا التركيز الكبير الذي يبدو في كتابات ابن باديس بصفة عامة، وكتابات الشيخ الإبراهيمي بصفة خاصة على اللغة العربية والإشادة بها، وبيان أصالتها في الجزائر.
يقول الشيخ الإبراهيمي تحت عنوان "اللغة العربية في الجزائر": "اللغة العربية في الجزائر ليست غريبة ولا دخيلة، بل هي في دارها وبين حماتها، وأنصارها، وهي ممتدة الجذور مع الماضي، مشتدة الأواخي مع الحاضر، طويلة الأفنان في المستقبل، ممتدة مع الماضي لأنها دخلت هذا الوطن مع الإسلام، على ألسنة الفاتحين، ترحل برحالهم، وتقييم بإقامتهم، فلما أقام الإسلام بهذا الشمال الإفريقي إقامة الأبد وضرب بجرانه فيه أقامت معه العربية، لا تريم ولا تبرح، ما دام الإسلام مقيما لا يتزحزح. ومن ذلك الحين بدأت تتغلغل في النفوس، وتنساغ في الألسنة واللهوات، وتناسب بين الشفاه والأفواه، يزيدها طيبًا، وعذوية أن القرآن بها يتلى، وأن الصلوات بها تبدأ وتختم.
وقال في مقام أخر بعنوان "التعليم العربي": "اللغة العربية هي لغة الإسلام الرسمية، ومن ثم فهي لغة المسلمين الدينية الرسمية ولهذه الأمة الجزائرية، حقان أكيدان: كل منهما يقتضي وجوب تعلمها، فكيف إذا اجتمعا، حق من حيث أنها لغة دين الأمة بالحكم أن الأمة مسلمة، وحق إنها لغة جنسها بحكم أن الأمة عربية الجنس، ودين معًا. ومن هنا نشأ ما نراه من حرص متأصل في هذه الأمة على تعلم العربية".
وقال في مقال آخر: "إن العربية هي لسان العروبة الناطق بأمجادها، الناشر لمفاخرها وحكمها، فكل مدع للعروبة فشاهده لسانه، وكل معتز بالعروبة فهو ذليل إلا أن تمده هذه المضغة اللينة بالنصر والتأييد، فلينظر أدعياء العروبة، الذين لا يريدون ألسنتهم على بيانها، ولا يريدون أفكارهم على حكمتها في أية منزلة يضعون أنفسهم".
ويطول بنا الحديث جدًا إذا رحنا ننقل النصوص الكثيرة التي كتبها الشيخ البشير الإبراهيمي عن اللغة العربية. فهو عندما يكتب عن هذه اللغة، يكتب عنها بدم قلبه لا بالحبر العادي. ولذلك بذل في سبيل تعليمها ونشرها الشطر الأكبر من حياته، وكان قلمه عندما يكون في موقف الدفاع عن العربية والإسلام، أقوى ما يكون، وأعنف وأشد ما يكون، حتى كأنه السيف المصلت على رقاب أعداء العروبة والإسلام، بات وقاطع يصيب منهم المحز وينزل على رؤوسهم كالصاعقة.
وفاته وحزن الجزائر عليه
هذا وقد وافته المنية بعد استقلال الجزائر في عام 1962م، حيث توفي في منزله بحي حيدرة العاصمة يوم الخميس 19 محرم سنة 1385هـ، الموافق 19 مايو (أيار) عام 1965م، عن عمر يناهز السادسة والسبعين عامًا. ودفن في مقبرة "سيدي محمد" بحي بلكور العاصمة. وقد خرج الآلاف من أبناء الشعب الجزائري لتشييع جنازته إلى مقرها الأخير. كما حضرت وفود من مختلف أنحاء القطر للمشاركة في تشييع الجنازة، ورثاه العلماء والشعراء وأجهزة الإعلام، وبكته الجزائر كلها كما بكاه تلاميذه الكثيرون وعارفوا علمه وفضله في المشرق والمغرب العربيين، وفي البلاد الإسلامية غير العربية. رحمه الله رحمة واسعة، ووفق تلاميذه الكثيرين إلى متابعة رسالته في نشر العلم والإصلاح الإسلامي والوطنية الصادقة
. - البصائر، عدد 41، عام 1948م
- البصائر، عدد1، عام 1948م
- البصائر، عدد 2، عام 1947م
 - انظر مشكلة العروبة في الجزائر، محاضرة للشيخ البشير الإبراهيمي في ندوة الأصفياء، ص 204، دار مصر للطباعة، عام 1955م.
- انظر مشكلة العروبة في الجزائر، محاضرة للشيخ البشير الإبراهيمي في ندوة الأصفياء، ص 207، دار مصر للطباعة، عام 1955م.
- مجلة "مجمع اللغة العربية"، بالقاهرة ص (150 – 151)، العدد (21)، عام 1966م.
- أنظر "رسالة الرد على الدهريين" ضمن كتاب "الأعمال الكاملة لجمال الدين الأفغاني، إعداد محمد عمارة، ص (173 – 174)، دار الكتاب العربي، بالقاهرة، بدون تاريخ.
- أنظر الدكتور محمد قاسم، "الإسلام بين أمسه وغده"، ص (178 – 209)، وذلك تاريخ الإمام محمد عبده، ج 1، ص 974، ط 1، مطبعة المنار، عام 1931م.
- البصائر، عدد 41، عام 1948م
- البصائر، عدد1، عام 1948م
- البصائر، عدد 2، عام 1947م


اللغة


اللغة


تعتبر اللغة من أهم العناصر التي تميز الكائن البشري إن لم أقل أنها تعد أبرز سمة تصنع تفرد البشر عن باقي 
المخلوقات, و قد بات معلوما في الأوساط العلمية إلى أي حد تؤثر اللغة على الفكر و من ثم على السلوك رغم أنها من نتاج الفكر في حد ذاته, فاللغة و باعتبارها نظاما معقدا من الرموز التي تحمل في طياتها مختلف المعاني و المدلولات على كل الأشياء المجردة و العينية, تبقى من أهم المنافذ المستخدمة من أجل الولوج إلى عمق الثقافة و البيئة الاجتماعية للناس بل و صِياغتهما و توريثهما, و بالضرورة الولوج إلى حقائق الفكر الإنساني في حد ذاته.

لكن ماذا لو عدنا لنلقي نظرة على واقع اللغة و علاقتها بالفكر و السلوك وسط المجتمع الجزائري ؟, و هنا يتوجب علينا الإشارة إلى بعض التصنيفات التي يطرحها علماء اللغة و اللسانيات عن العالم العربي, و هي أنهم يدرجون نسقين لغويين يسيطران على المجتمع العربي, و هما " فصحى التراث " التي يستخدمها أفراد المجتمع بشكل محدود في بعض الأنشطة العرضية كالمطالعة مثلا, أو يستخدمونها في بعض المواقف الرسمية كاستخراج الوثائق الإدارية, أما النسق اللغوي الثاني فهو " فصحى العُمر التي تضم اللهجات العامية " و هي الأكثر انتشارا من النسق الأول, إذ أنها تُستعمل في الحياة اليومية للناس من أجل تحقيق مصالحهم و الاتصال و التواصل فيما بينهم....


 و لو ألقينا نظرة بسيطة عن واقع اللغة في المجتمع الجزائري سنكتشف جملة من الميزات التي تظهر على هذا الواقع, و يمكن أن نخلص إلى بعض هذه الملاحظات في النقاط التالية:

1- يُمكن تمييز أربع أنساق لغوية منتشرة في المجتمع الجزائري بدل اثنين, و هي: اللغة الفرنسية – رغم أن انتشارها يخص بعض الدوائر الضيقة و بعض القطاعات الإدارية –, اللغة العربية الفصحى, اللغة الأمازيغية وفق تفرعاتها الجهوية, و اللهجة الدارجة.

2- بالنسبة للسان الأمازيغي فهنالك إشكال عالق في أوساط علماء اللغة و اللسانيات في الجزائر, و هو الجدلية القائمة بخصوص ما إذا كان يتوجب تصنيف هذا النسق اللغوي في خانة اللغة, أو تصنيفه في خانة اللهجة بسبب افتقاره إلى نظام رمزي هجائي و قواعد نحوية و صرفية موحدة بين جميع مستخدمي هذا النسق على المستوى الوطني, لذلك يرى البعض أنه مجموعة من اللهجات المحلية.

3- بالنسبة للهجة العامية الجزائرية, فهي مزيج هائل مستمد من العربية الفصحى و الأمازيغية و الفرنسية و حتى بعض الرواسب اللغوية التركية, فهي أكثر نسق يُمكن لنا الخروج منه بملاحظات كثيرة و بعض هذه الملاحظات:

- أ  يُلاحظ أن التراكيب اللسانية العامية المستمدة من اللغة الفصحى قد تم تحويرها على مستوى النطق عن طريق الحذف بشكل خاص, مثلا: تحوير كلمة " يستقصي " ( يسأل أو يبحث ) إلى " يسقصي ".

- بـ  بالنسبة للتراكيب المستمدة من الفرنسية فقد تمت قولبتها لتماشي اللسان الجزائري العامي, و لو أمعنا الملاحظة في بعض الكلمات العامية سنجد أنها من أصل فرنسي تمت إعادة صياغته على الأوزان اللغوية العربية, مثلا: كلمة " كاييه " الفرنسية ( كراس ) قد اندمجت تماما في الدارجة الجزائرية بعد أن تغير نطقها قليلا عن أصلها, كما صار جمع هذه الكلمة على وزن عربي خالص " كايِيات "...

- جـ  كما تأثر اللسان الأمازيغي باللغة العربية الفصحى و أخذ منها الكثير من التراكيب و المصطلحات, فهو نفسه أعطى الدارجة الجزائرية الكثير من التراكيب و العبارات, مثلا: يُقال عادة عن الرجل الشهم في المجتمع الجزائري بأنه " درغاز " و هي عبارة أمازيغية من أصل " آرغاز " التي تعني الرجل أيضا, إضافة إلى بعض التراكيب اللغوية القديمة المستمدة من التواجد التركي بالجزائر, مثل عبارة " بقشيش " ذات الأصل التركي التي تعني في المفهوم الجزائري" الرشوة ".

- د  بسبب الشساعة الجغرافية للجزائر و اختلاف أنماطها المعيشية و الثقافية باختلاف مناطقها, فالدارجة الجزائرية نفسها تختلف بأشكال طفيفة أحيانا و متفاوتة أحيانا أخرى بحسب تقارب المناطق من بعضها أو العكس, سواء على مستوى التراكيب أو المضامين أو على المستوى النطقي و الصوتي, فسكان الغرب الجزائري مثلا لهم فنونومات ( النغمات الصوتية ) مختلفة عن فنونومات سكان الشرق حتى في التراكيب و العبارات المشتركة....

 بعد جملة هذه الملاحظات القليلة و المُبسَّطة, و بما أنه لا يوجد شك في أن اللغة تشكل عاملا رئيسيا في صياغة هوية و ثقافة أي مجتمع, يُمكننا الوصول إلى واحد من أهم أوجه أزمة الهوية العميقة التي يعيشها المجتمع الجزائري, و نحن هنا نأود الدخول إلى الواقع المُعاش مباشرة دون الحاجة للحديث عن الخطابات الرسمية التي تُشدّد على الهوية الجزائرية, بأنها تلك العناصر الثلاث المشكلة من العروبة و الأمازيغية و الإسلام...

هناك ملامح أزمة هوية متراكمة, بدأت أولى فصولها مع وقوع الجزائر في قبضة الاحتلال الفرنسي, و ما عمل عليه هذا الأخير من طمس و محو و محاربة و نسخ لكل ما هو جزائري طيلة تواجده, مرورا بالتناقضات و التوجهات الإيديولوجية التي ميزت الفكر الجزائري المعاصر أيام الحركة الوطنية و الثورة و التي بقيت حزازاتها قائمة بعد الاستقلال, و التي جعلت بدورها من انطلاقة دولة الاستقلال الفتية تكون عرجاء من الأساس, و المشكلة هي أن الصراع الإيديولوجي بين الدوائر أو النخب الفرنكوفونية و الدوائر المُعرَّبة في دواليب النظام قد ألقى بنتائجه و تبعاته لاحقا على القالب العام للبلد, و الذي أثر على قالب العقل و الشخصية الجزائرية ككل.

إضافة إلى كل ذلك فقد لعبت سنوات الأزمة و الفوضى الجزائرية الدور الرهيب في تكريس ابتعاد المجتمع عن الاهتمام باللغة الفصحى التي تقلص دورها في حياتنا إلى الحد الأخطر, و الذي نؤشر عليه هنا بتلك الركاكة المؤسفة و ذلك العجز المخيف عن خلق لغة عربية سليمة و صحيحة لدى التلميذ و الطالب الجزائري, باعتبارهما ينتميان إلى أوسع و أكثر شريحة تتعامل مع اللغة الفصحى في المجتمع. هذا الابتعاد عن الاهتمام بتلقين اللغة العربية – لغة المجتمع الأصلية – أفضى إلى نتيجة أساسية, غيرت من منحى الأزمة اللغوية الجزائرية و من ثم غيرت المنحى المعرفي و النفسي للشخصية الجزائرية في حد ذاتها.

فمن المعلوم أن الدارجة أخذت الكثير من الفصحى طوال عقود, لكن الابتعاد التدريجي عن الاهتمام بالفصحى و إهمال تدريسها وفق خطط و استراتيجيات علمية و منهجية سليمة, أفضى في العشرين سنة الأخيرة إلى قطع الطريق و الصلة بين الفصحى و الدارجة,  و من ثم فإن الفرد الجزائري الذي وجد نفسه غير ملم بلغته الفصحى, و مع تزايد اهتماماته و مشاكله و مشاغله و التغيير الكبير الذي حصل في نمط حياته العقلية و النفسية و الاجتماعية بسبب التغيرات التكنولوجية العالمية..., وجد أن لهجته العامية ما عادت قادرة على التعبير عن كل تلك الاحتياجات و ذلك الواقع, فكان له أن قام بتكييفها و تطويرها لكن دون الرجوع إلى مصدرها الأول ( العربية ) لأنه فقد الصلة به, بل من مصدر آخر و هو لغة المستعمر التي عادت لتغزو بيته و عقله و أفكاره ,عن طريق الفضائيات الفرنسية التي أحكمت قبضتها على الفكر و المجتمع في الجزائر طيلة عشرية التسعينيات, قبل أن تساهم الثورة الرقمية في الحد منها في العشرية الأخيرة, و هذه حقيقة يوقنها الجميع.

و لو أن دراسات مقارنة أو إحصائيات أجريت بخصوص اللسان العامي و اللهجة الدارجة الجزائرية فيما يخص أصول تراكيبها و مصطلحاتها, بين عقد السبعينات و عقد الثمانينات و عقد التسعينات, قد نلاحظ عندئذ التغير الهائل و التحول العميق من استعارة تلك التراكيب من اللغة الفصحى إلى استعارتها من اللغة الفرنسية, خاصة في المجالات المرتبطة بالأنشطة التجارية و الخدماتية و العلمية.

إن شل التطور الديناميكي للهجة العامية المبني على الأخذ من اللغة الفصحى و الذي كان آخر الخطوط الهشة للدفاع عن شخصية المجتمع, و تفعيل أخذها لتراكيبها و مصطلحاتها من اللغة الأجنبية, يشكل أحد أهم الوجوه المبطَّنة لتقدّم عملية تفكك الهوية الوطنية و القومية كمفهوم و كقيمة كبيرة في ذهن الإنسان الجزائري, و برأي كاتب هذه الأسطر, فهو لا يعتقد أن سبب هذا التيهان يعود إلى التنوع اللساني و اللغوي في الجزائر, الذي يرى البعض أنه سبب هذا العجز الواقعي في العثور على الإحساس الجامع بالهوية الوطنية و تقاسم عيشه بين جميع الجزائريين, لأنه في كل الأحوال كان يمكن أن يستثمر ذلك التنوع لخدمة الفكر و المعرفة و الثقافة الشعبية, من أجل الحفاظ على تماسك كينونة المجتمع, و بالضرورة خدمة الوحدة الوطنية و حماية الأمن القومي في النهاية, لولا التخلي عن اللغة القومية نفسها و إهمال مكانها و دورها, فالمشكلة ليست في التنوع بعينه بل في رؤية البعض لما يُمكن أن يفعله ذلك التنوع من زاوية سلبية من جهة, و من جهة أخرى إصرار البعض الآخر و في أعلى مستويات المسؤولية في مناصب اتخاذ القرار, على الاستمرار في تهميش اللغة العربية الفصحى, و غياب إرادة حقيقية لتوطيد مكانة اللغة الأمازيغية الطبيعية بما يكفل لها الانتشار المُمنهج و التطور الحتمي, و عدم وجود سياسة واقعية و حقيقية و مشروع ضارب من أجل إعادة بناء و تشكيل تدريجي للروح اللغوية العربية و الأمازيغية في الذهن الجزائري.

إن المشكلة و التحدي الأساسي الذي يطرح نفسه في قضية اللغة و الهوية في المجتمع الجزائري, ينطلق أساسا من عدم فهم القائمين على شؤون البلد تماما كالمواطنين, بأن سر الوصول إلى هوية وطنية حقيقية و متجذرة قائمة على لغة المجتمع الفصحى أو الأصلية, لا ينطلق مما تقدمه كتب اللغة في الابتدائيات و الإعداديات, بل ينطلق أبكر من ذلك بكثير في المجتمعات ذات التنوع اللساني على شاكلة المجتمع الجزائري, أي مع بدء الطفل في اكتساب لغة محيطه العامية و التي عن طريقها تبدأ معالم علاقته المستقبلية بلغته الفصحى تتشكل, لكن الأمر يتوقف على مدى ارتباط لهجته الأولى مع تلك اللغة الأصيلة, دون نسيان الحديث عن التنشئة الاجتماعية و نفوذ وسائل الإعلام و موادها ( وطنية– قومية أو أجنبية ) على عقل المواطن, يضاف لذلك الحالة الثقافية و الفكرية في
البلد و مدى ارتباطها بنفس المصدر الأول دائما: " اللغة ".